عبد الوهاب الشعراني

44

تنبيه المغترين

وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا مرض لا يتداوى بإشارة طبيب ، وقالوا له مرة : ألا ندعو لك طبيبا ، فقال : تاللّه لو علمت أن شفائي في مس أذني ما مسستها نعم ما يفعله ربي عز وجل ، ولما عادوا يحيى بن معاذ قالوا له : كيف تجدك ؟ قال : عشت في الدنيا ظالما ، وقيل للإمام الشافعي كيف تجدك ؟ قال : أصبحت من الدنيا راحلا ولسوء أعمالي ملاقيا وعلى فضل ربي معولا ، ودخل بعض الأمراء على داود الطائي في مرضه فوضع إلى جنبه ألف دينار فقال له : خذها عافاك اللّه ، فقال له : ألك من حاجة ؟ قال : نعم أن لا تأتيني بعد اليوم ثم التفت للحاضرين وقال : هذا يريد أن يزيدني دنسا على دنسي قبل موتي . ( ودخلوا ) على الفضيل بن عياض يعودونه فقالوا : ما تشتهي قال : نظرة إلى أخي يوسف بن أسباط قبل موتي ، وكان حاتم الأصم إذا رأى بخيلا يتصدق في مرض موته يقول : اللهم أدم مرضه فإنه تكفير لخطاياه وأفضل للفقراء ، وقالوا لمحمد بن سيرين في مرض موته كيف تجدك ؟ فقال : أجدني في بلاء شديد أجوع فلا أستطيع أن أشبع وأعطش فلا أستطيع أن أروي وأرقد فلا أذوق الكرى ، وقالوا وكان قليل الشكوى في مرضه ولكنه اشتد عليه فلم يطق حمله ، فشكى إلى إخوانه ليدعوا له باللطف . ومرض الفضيل بن عياض مرة فقالوا له : كيف تجدك ؟ فقال : بخير ولكن ادعوا لي بطول المرض حتى لا أرى الناس ولا يروني ودخلوا على أبي بكر بن عبد اللّه يعودونه فخرج إليهم يهادي بين رحلين فقالوا : ادع اللّه لنا ، فقال : رحم اللّه من اشتغل بطاعة ربه قبل أن يصير إلى مثل حالي هذا . ودخلوا على المأمون في مرضه الذي مات فيه فإذا هو قد أمر خدامه أن يفرشوا تحته جل الدابة ويبسطوا عليه الرماد ، وصار يتمرغ عليه وقال يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه ، ودخلوا على عتبة الغلام في مرض موته فقالوا : كيف تجدك ؟ فأنشد يقول : خرجت من الدنيا وقامت قيامتي * غداة يقل الحاملون جنازتي وعجل أهلي حفر قبري وصيروا * خروجي وتعجيل إليه كرامتي كأنهم لم يعرفوا قط صورتي * غداة أتى يومى على وليلتي قال عمر بن عبد العزيز ولما طعن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه دعا بلبن فشرب منه فخرج اللبن من طعنته فقال : اللّه أكبر فجعل جلساؤه يثنون عليه خيرا فقال : واللّه لو وددت أنى خرجت من الدنيا كفافا كما دخلت فيها ولو كان لي اليوم جميع ما طلعت عليه الشمس وما غرب لافتديت به من هول المطلع .